الرئيسيةماذا في القانونالإمارات وعملية تحديث التشريعات
من قبل الدكتور حبيب الملّا
شارك
ديسمبر 30, 2021 7:45 ص

الإمارات وعملية تحديث التشريعات

تحديث البنية القانونية عملية طبيعية وضرورية في مسيرة الدولة نحو المستقبل
رويترز

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة باصدار حزمة من التشريعات وُصفت بأنها الأكبر منذ إنشاء الدولة، إذ تضمنت أكثر من ٤٠ قانوناً. و تراوحت هذه التشريعات بين قوانين منظِّمة لعلاقات العمل، وأخرى تنظّم وتحمي الملكية الصناعية والعلامات التجارية وحقوق المؤلف، مروراً بقانون الشركات وقانون المعاملات الالكترونية وقوانين البيانات الشخصية، وانتهاء بقانون العقوبات وقانون مكافحة الشائعات والجرائم الالكترونية.

ولقد أثار صدور مثل هذا العدد من التشريعات في وقت متزامن، العديد من التساؤلات حول الأهداف التي تصبو إليها دولة الامارات والغايات التي تسعى لتحقيقها. ولقد ألمح البعض إلى أنّ صدور هذه التشريعات يعكس حالة التنافسية التي تشهدها دول المنطقة ورغبتها في جذب أكبر كم من الاستثمارات الأجنبية.

صحيح أن الدولة تعتمد في استراتيجية تنويع اقتصادها بعيداً عن عوائد النفط على عدة عوامل منها جذب رؤوس الأموال الأجنبية و استثمارها في مشاريع تُساهم في تنشيط العجلة الاقتصادية، واستقطاب الخبرات والكفاءات لقطاعات معينة،  وخلق المزيد من فرص العمل. 

ومثال على القوانين التي صدرت في مراحل سابقة و أّدت لتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة على الانتقال للدولة، كان قانون الشركات الذي سمح بتملك الأجنبي للشركة بنسبة ١٠٠٪ خارج المناطق الحرّة.

وصحيح بأن المستثمر الأجنبي يبحث دوماً عن بنية تشريعية تحمي استثماره وتوفر له أرضية قانونية واضحة يعتمد عليها في التقاضي وفي معرفة القوانين التي تحكم استثماره، لكن الاستنتاج بأن تحديث القوانين هو فقط من أجل التنافس مع دول الجوار لجذب تلك الاستثمارات هو استنتاج خاطئ.

فلا يمكن النظر إلى هذه التشريعات كحالة منفردة بمعزل عن التطور التاريخي والتوجه العام لدولة الإمارات منذ تأسيسها ولغاية اليوم. كما و لا يُخفى على المُطّلع على تاريخ دولة الإمارات والمنطقة، أنه عند استقلال الإمارات المتصالحة عن الحماية البريطانية وتأسيس الاتحاد، كانت الدولة تفتقر إلى المكونات الأساسية، ليس لبناء دولة عصرية فحسب، إنما حتى لتوفير حياة كريمة لأفراد شعبها والمقيمين على أرضها.
فسلطات الحماية البريطانية لم تبدي اهتماماً بالقطاعات الأساسية للحياة، من صحة وتعليم وطرق مواصلات وغيرها. لذا كانت الأولوية عند تأسيس الاتحاد توفير البنية التحتية الأساسية والمقومات الرئيسية لبناء دولة قابلة للحياة والاستمرار. من هنا، جاء التركيز على قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، من طرق ومطارات وموانئ، لتتحول الإمارات خلال فترة السبعينات والثمانينات إلى ورشة عمل لا تتوقف من أجل إنجاز كل ذلك وفي زمن قياسي. 

ثم شهدت فترة الثمانينات بداية صدور التشريعات الكبرى في الدولة كقانون المعاملات المدنية الذي صدر في العام ١٩٨٥ وقانون الشركات التجارية الذي صدر في العام ١٩٨٤، وقانون العمل الاتحادي الذي تم اقراره في العام ١٩٨٠، وقانون العقوبات الاتحادي عام ١٩٨٧ وقانون العمل الاتحادي عام ١٩٨٦.

لقد كانت هذه القوانين وما تلاها، كقانون المعاملات التجارية وقانون حماية العلامات التجارية، كافية في تلك الفترة لتسيير أمور الناس وإنجاز معاملاتهم. ويمكن أن يُطلق على هذه المرحلة من عمر الاتحاد مرحلة التأسيس والبناء.

لكن مع مطلع الألفية والانتهاء من بناء الركائز الأساسية للدولة، بدأت الإمارات بمرحلة التطوير والارتقاء بمرافقها وخدماتها. وأصبحت تنافس على الصعيد العالمي، بل وتسبق العالم بدءاً بالحكومة الإلكترونية ثم الحكومة الذكية. وتزامن ذلك مع تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئاسة الوزارة في الدولة، وهو صاحب الرؤية المستقبلية والطموح اللامحدود. وتغيرت بالتالي أهداف الدولة إلى مستويات غير مسبوقة، من سبر الفضاء المجهول إلى تبنّي الرقمنة والذكاء الاصطناعي. ورافق ذلك تحوّلها إلى دولة سياحية تنافس بل وتتجاوز دولاً أقدم منها.

كما تحوّلت الإمارات إلى حاضنة لأصحاب الأموال وأصحاب الأفكار والمشاريع ليس من المنطقة العربية فحسب بل ومن العالم أجمع.

لذلك، كان من الطبيعي —والذي يفرضه التسلسل المنطقي للأحداث بعدما أكملت الدولة إنشاء وتدعيم بنيتها التحتية— أن تلتفت الإمارات لاستكمال وتطوير البنية الناعمة من التشريعات التي تواكب التطورات الهائلة التي حققتها وتستطيع أن تنافس بها الدول المتقدمة. 

أما عن مجال المنافسة، فإنّ الامارات اختارته غير مقيدٍ بحدود الجغرافيا الضيقة للمنطقة، بل بات الكون بأسره مسرحاً للمنافسة.

من هنا، كان صدور هذه الحزمة من التشريعات لتعكس التطور الذي شهدته الدولة ولكي تساعدها وتؤهلها لهذه المنافسة العالمية. 

ومن ناحية ثانية فقد أتى عدد من حزمة القوانين الجديدة ليحقق متطلبات مختلف القطاعات الاقتصادية من التجارة والصناعة وغيرها ويدعم مكانة الدولة وتنافسيتها وموقعها على خارطة المستقبل.
فالبنية القانونية للدولة اليوم باتت أكثر وضوحا لناحية حماية الملكية الصناعية والعلامات التجارية.
 وهي تُنظّم المعاملات الإلكترونية وأعمال السجّل التجاري وتحمي حقوق المؤلف، وغيرها من الأمور الضرورية التي تحتاجها قطاعات اقتصادية محورية من أجل مواكبة التطور على الصعيدين العالمي والمحلي.

وتتبنى هذه التشريعات الحديثة أفضل الممارسات العالمية في مجالاتها المختلفة وتضفي عليها اللمسة المحلية التي تراعي خصوصية الإمارات.

 ولا يغيب عن البال كذلك أن نهج التسامح الذي تبنته الإمارات تجاه الجاليات المتعددة بثقافاتها والتي تقطن على أراضيها، واحتضانها لهذه الثقافات، يستلزم مرونة تشريعية تستوعب هذه الثقافات وتمكّنها من العيش معاً في إطار من السلام الاجتماعي مع تحقيق المواءمة والقبول. 

وعليه، فإن هذه التشريعات لا تهدف إلى معالجة جزئيات معينة ولا التعامل مع أوضاع خاصة، بل هي جزء من السياق العام للإمارات ومن التطور الطبيعي الذي تشهده الدولة في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

إنّ الأمر المهم الذي يجدر التنبه إليه أن هذه التشريعات ليست وجهة يصل إليها قطار الإمارات ليتوقف عندها، بل هي محطة من محطات عديدة وحلقة من حلقات مستمرة. وسيستمر إصدار تشريعات جديدة لسببين: الأول هو أن التطور في دولة الإمارات حالة مستمرة وليست ظرفية، وبالتالي هو يستدعي معالجة تشريعية جديدة ومختلفة. والسبب الثاني أن العالم في حالة تطور وتغير مستمرين، وستكون هناك مستجدات اقتصادية وتجارية وعلمية تستوجب تشريعات جديدة قادرة على استيعابها. 

لقد أصبحت الإمارات اليوم مركزاً مالياً وحاضنة اجتماعية ومنارة علمية وملتقىً أدبياً وتجمعاً سكانياً فريداً من نوعه. وهذه المكونات جميعها ستظل أيضاً مقصد التشريع في الفترة المقبلة. 

 (*) الدكتور حبيب الملّا  هو الرئيس التنفيذي لمكتب بيكر ماكنزي-حبيب الملا للمحاماة في الإمارات، ويُعتبر من أهم مرجعيات القانون في الدولة.
ساهم في صياغة الإطار القانوني لتأسيس مركز دبي المالي العالمي، و هو عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي .
قام د. الملا بتمثيل الحكومة وكبار المسؤولين في عدد من القضايا في المحافل الدولية .
يحمل د. الملّا شهادة الماجيستير في القانون من جامعة هارفرد الأميركية المرموقة، وشهادة الدكتوراه من جامعة كامبريدج العريقة في بريطانيا.