الرئيسيةمقابلات خاصةالحميدي: صندوق النقد العربي يتوقع 7.6% تضخماً في دولنا هذا العام
من قبل هلا صغبيني
شارك
أغسطس 11, 2022 2:38 م

الحميدي: صندوق النقد العربي يتوقع 7.6% تضخماً في دولنا هذا العام

لا يمكن النظر لقطاع النفط بمعزل عن نظرة شمولية لكل مصادر الطاقة عموماً
AMF
الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي

توقع المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي أن يبلغ معدل التضخم في الدول العربية نحو 7.6 في المئة عام 2022، منخفضاً إلى 7.1 في المئة في 2023. كما توقع أن تحقق معدلات نمو بنسبة نحو 5.4 في المئة مدفوعة بالعديد من العوامل يأتي على رأسها التحسن النسبي في مستويات الطلب العالمي، وارتفاع معدلات نمو قطاعي النفط والغاز، ومواصلة الحكومات العربية تبني حزم للتحفيز لدعم التعافي الاقتصادي. وأشار إلى أن التحدي الرئيس الذي يواجه السلطات الرقابية والإشرافية في الدول العربية، كما هو الحال في العديد من دول العالم، هو في إيجاد المزيج الأمثل من السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية لمواجهة التحديات من دون التضحية بالنمو المستدام طويل الأمد.

أجرى “إيكونومي ميدل إيست” مقابلة شاملة مع الدكتور الحميدي تناولت التطورات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الحاصلة في العالم وانعكاساتها على الدول العربية. وفي الآتي نص المقابلة:

دخل العالم في حالة من عدم اليقين بسبب التطورات الإقليمية والعالمية الراهنة. رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا وصفت المشهد الاقتصادي بأنه قاتم، فما هي توقعاتكم لما تبقى من هذا العام بشكل خاص في الدول العربية؟

 

ما يشهده الاقتصاد العالمي من تطورات وما يصاحب ذلك من تحديات تتعلق بالأمن الغذائي وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة متسارعة وتقلبات سلاسل التوريد العالمية، وبالتالي ظهور موجة تضخمية، إضافة إلى تداعيات السياسات التوسعية التي تبنّتها المصارف المركزية العالمية لمواجهة الركود الذي صاحب جائحة كوفيد-19، دفعت كل هذه الظروف الاستثنائية المؤسسات الدولية إلى إعادة تقييم وضع الاقتصاد العالمي من خلال خفض توقعاتها التي أطلقتها في شهر يناير/كانون الثاني 2022 بشأن النمو الاقتصادي العالمي لعام 2022، ليعكس هذا الخفض حالة عدم اليقين وما سيسفر عن التطورات الراهنة مستقبلاً واحتمالية حصول ظاهرة التضخم الركودي التي سادت في سبعينيات القرن الماضي.

بالنسبة للدول العربية، فإنه تماشياً مع هذه التطورات التي شهدتها معدلات التضخم العالمية خلال النصف الأول من عام 2022، يُتوقع ارتفاع المستوى العام للأسعار متأثراً بالتطورات الدولية سالفة الذكر، إضافة إلى أثر ارتفاع مستويات الطلب المحلي وزيادة معدلات ضرائب الاستهلاك، وكذلك أثر التمرير الناتج عن تراجع سعر الصرف في بعض الدول العربية. عليه وفقاً، لتوقعات صندوق النقد العربي فإنه من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم في الدول العربية نحو 7.6 في المئة عام 2022 منخفضاً إلى 7.1 في المئة عن عام 2023. ومن المتوقع كذلك أن تعمل المصارف المركزية على صياغة سياسات نقدية أكثر تشدداً لكبح جماح الضغوط التضخمية التي خلفتها السياسات النقدية التوسعية خلال تفشي الجائحة بهدف معالجة الركود الاقتصادي في تلك الفترة، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة للتطورات العالمية الراهنة.

بالتالي، فان التحدي الرئيس الذي يواجه السلطات الرقابية والإشرافية في الدول العربية كما هو الحال في العديد من دول العالم، هو في إيجاد المزيج الأمثل من السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية لمواجهة التحديات على الأمدين القصير والمتوسط من دون التضحية بالنمو المستدام طويل الأمد.

في ظل الظروف المذكورة سابقاً، ما هي آفاق نمو اقتصادات الدول العربية خلال العامين الحالي والمقبل؟

 

ستتأثر مسارات النمو في الدول العربية خلال عامي 2022 و2023 بثلاثة عوامل رئيسة تشمل التطورات المتعلقة باستمرار العمل بالترتيبات والحزم المالية لاحتواء التداعيات الناتجة عن الجائحة، وبتلك الناتجة عن التطورات العالمية الراهنة على الاقتصادات العربية، إضافة إلى المسار المتوقع للسياسات الاقتصادية الكلية، وخثصوصاً النقدية.

وفقاً لتقديرات صندوق النقد العربي، من المتوقع أن يشهد معدل نمو الاقتصادات العربية ارتفاعاً في عام 2022 ليسجل نحو 5.4 في المئة، مقابل معدل 3.5 في المئة المسجل في عام 2021، مدفوعاً بالعديد من العوامل يأتي على رأسها التحسن النسبي في مستويات الطلب العالمي، وارتفاع معدلات نمو قطاعي النفط والغاز، ومواصلة الحكومات العربية في تبني حزم للتحفيز لدعم التعافي الاقتصادي. إضافة إلى الأثر الإيجابي لتنفيذ العديد من برامج الإصلاح الاقتصادي والرؤى والاستراتيجيات المستقبلية التي تستهدف تعزيز مستويات التنويع الاقتصادي، وإصلاح بيئات الأعمال، وتشجيع دور القطاع الخاص، ودعم رأس المال البشري، وزيادة مستويات المرونة الاقتصادية في مواجهة الصدمات. فيما يتوقع تراجع وتيرة النمو الاقتصادي في عام 2023 ليسجل نحو 4.0 في المئة، بما يتواكب مع انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي، والتراجع المتوقع في أسعار السلع الأساسية، وأثر الانسحاب التدريجي من السياسات المالية والنقدية التوسعية الداعمة لجانب الطلب الكلي.

على مستوى الدول العربية المصدّرة للنفط، سوف تستفيد هذه الدول في عام 2022 من ارتفاع كميات الإنتاج النفطي في إطار اتفاق “أوبك+”، وتواصل الزيادة في أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، ما سيدعم مستويات الإنفاق العام المحفز للنمو في هذه الدول، ليرتفع معدل نمو المجموعة إلى 6 في المئة في عام 2022، مقابل 3.2 في المئة للنمو المحقق في عام 2021، في حين من المتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.7 في المئة في 2023 في ظل التوقعات بانخفاض الأسعار العالمية للنفط والغاز، وبدء التلاشي التدريجي لآثار دعم السياستين المالية والنقدية.

أما على مستوى الدول العربية المستوردة للنفط، فمن المتوقع أن تسجل وتيرة نمو في عام 2022 تقدر بنحو 4.1 في المئة، مقابل 2.7 في المئة معدل نمو مسجل في عام 2021، بما يعكس التحديات التي تواجهها على صعيد توازناتها الداخلية والخارجية. فيما يتوقع حصول تحسن نسبي لمعدل النمو الاقتصادي لهذه الدول في 2023 ليسجل 4.6 في المئة، يُعزى إلى توقع تحسن مستويات الطلب الكلي، وانحسار تدريجي للضغوط التي تواجه أوضاع الموازنات العامة، وموازين المدفوعات نتيجة الانخفاض المتوقع لأسعار السلع الأساسية العام المقبل.

هناك تساؤلات حول احتمالات بلوغ الاقتصاد العالمي مستوى الركود، وهناك من يستبعد ذلك، من وجهة نظركم إلى أي مدى هناك احتمالات أن يشهد الاقتصاد العالمي حالة من الركود، وما حدودها؟

 

في ضوء قراءة وضعية الاقتصاد العالمي في الفترة الراهنة، والتطورات على الصعيد العالمي وانعكاساتها، نجد أن احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حالة من الركود في المستقبل تظل قائمة، خاصة إذا ما اقترن التراجع في الأنشطة الاقتصادية في غالبية دول العالم باستمرار المستويات المرتفعة من التضخم التي نشهدها حالياً في ما يعرف بالتضخم الركودي، ومن الصعوبة أن نستثني أي من التجمعات الاقتصادية خصوصاً الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الناشئة، وإن كانت بدرجات متفاوتة نسبياً. حتى في الدول التي استطاعت المحافظة على مستويات مناسبة من الإنتاج على الرغم من الظروف العالمية الراهنة، فإن انخفاض الدخل الحقيقي نتيجة مستويات التضخم العالية نسبياً سيلعب دوراً معاكساً جراء انخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين. وعلى المدى المنظور، من المتوقع أن يكون للانخفاض المتوقع في مستوى التدفقات الاستثمارية وتراجع الاستثمارات الحكومية، والارتفاع المستمر في الأسعار العالمية للطاقة، وارتفاع أسعار الفائدة، دور في ارتفاع معدلات البطالة، التي بالطبع ستفاقم من الضغوط المتعلقة بتراجع الإنفاق الاستهلاكي ومن ثم تراجع الأنشطة الاقتصادية التي بدورها قد تنعكس في صورة موجة من الركود في الاقتصاد العالمي.

لقد أفاد ارتفاع أسعار النفط الدول المصدّرة له، في حين وضع بعض الضغوط على الدول المستوردة له. برأيكم ما السبل الواجب أن تتبعها هذه الدول كي “تعبر” المرحلة بأقل الأضرار الممكنة؟

 

يعتبر النفط ومنتجاته سلعة استراتيجية في السوق العالمية تتأثر بالتطورات الإقليمية والدولية التي تلقي بظلالها على اقتصادات الدول. وبالطبع، فان تقلبات أسعار النفط تترك أثاراً متباينة على اقتصادات الدول، إن كانت مصدرة للنفط أو مستوردة له.

في عام 2020 على سبيل المثال، شهدت الأسعار انخفاضاً نتيجة لتداعيات جائحة كورونا وما صاحبها من عمليات الإغلاق الكلي والجزئي، مما أدى إلى تراجع الطلب على النفط من قبل الدول المستوردة، وما أدى بالتالي إلى تكدس كميات كبيرة في مخازن المنتجين. ولتدارك الأمر، وافق أعضاء مجموعة الدول المصدرة للنفط (أوبك +) على خفض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يومياً، للمساعدة في ضبط السعر مرة أخرى إلى المستوى الطبيعي.

بالتالي، يُلاحظ أن ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها يمثل صدمة تؤثر على جانب العرض في اقتصاد الدولة سواء كانت إيجابية أو سلبية، وفقاً لكل سيناريو.

وفي ظل التوقعات بارتفاع الأسعار العالمية للنفط خلال عام 2022 بفعل تأثير التطورات العالمية الراهنة، فمن المتوقع أن تتأثر الدول العربية سلباً وإيجاباً ما إذا كانت مستوردة للنفط أم مصدرة له. فبالنسبة للدول العربية المصدرة للنفط، من الطبيعي أن يساهم ارتفاع الأسعار في تحقيق حيز مالي لدعم الحساب الجاري لميزان المدفوعات وكذلك دعم الموازنة العامة بالتالي يُعطي ذلك مساحة للدولة لصياغة سياساتها الكلية بضغوطات اقتصادية ممكن إدارتها.

أما بالنسبة للدول المستوردة للنفط، فان ارتفاع أسعار النفط من المحتمل أن تؤثر سلباً على رصيد الحساب الجاري والموازنة العامة للدولة نتيجة ارتفاع التكلفة المالية وضيق حيز السياسات. في هذا الصدد، يتعين على الدول المستوردة للنفط اتخاذ سياسات اقتصادية من شأنها تخفيف الضغوط على الحساب الجاري وامتصاص صدمة الأسعار على المالية العامة، وهذا يتطلب مجموعة من السياسات الاقتصادية الكلية، وإعادة النظر في حوكمة ماليتها العامة باتجاه تعزيز كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز إيراداتها العامة من دون الإضرار بالنمو الاقتصادي المستهدف.

لعلي أضيف أن زيادة مستويات الإنتاج النفطي الخام، كما يطالب البعض، وهي محدودة بطبيعتها، قد لا تساهم في خفض الأسعار بالصورة المتوقعة. المطلوب هو زيادة في انتاج المشتقات النفطية، حيث كان هناك تقاعس ملحوظ أو تباطؤ في الاستثمارات العالمية في هذا الشأن. كما لا يمكن النظر لقطاع النفط بمعزل عن نظرة شمولية لكل مصادر الطاقة بصورة عامة.

كيف تقيّمون أداء الدول العربية عموماً في معالجة التحديات، والتي تعاني نسباً متفاوتة من التضخم؟

 

لقد كانت للجائحة تداعيات متباينة ومختلفة على الدول العربية، وذلك على خلفية اختلاف الهياكل الإنتاجية، ودرجة الانفتاح والانكشاف على السوق العالمية من ناحية، وتباين الحيز المالي المتاح لتمويل الحزم التحفيزية والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها المصارف المركزية من ناحية أخرى. بالتالي ما قامت به الدول المصدرة للنفط لمعالجة التحديات يختلف عما قامت به تلك المستوردة الصافية للنفط.

لقد ساهم ارتفاع أسعار النفط العالمي في زيادة الإيرادات، مما دعم أوضاع المالية العامة في الدول العربية المُصدّرة للنفط. يضاف إلى ذلك، تمكنت هذه الدول من توفير اللقاحات في مرحلة مبكرة مما ساعدها على بدء مرحلة التعافي. أما بالنسبة للدول العربية المستوردة الصافية للنفط، فقد استطاعت مواجهة التحديات المترتبة على الجائحة من خلال إعادة توجيه جزء من النفقات الحكومية المخصصة للاستثمارات الحكومية إلى دعم أنظمة وشبكات الضمان الاجتماعي، وتقديم إعانات البطالة، ودعم الأجور، فضلاً عن دعم فواتير المرافق العامة كالكهرباء والماء، وتحفيز الأنشطة الإنتاجية خاصة المشروعات الصغيرة منها، وتوفير اللقاحات والرعاية الصحية بشكل مكثف. هذا في حد ذاته كان ضرورياً، وبالفعل ساعد على مواجهة والحد من تداعيات الجائحة، إلا أنه أثر على النشاط الاقتصادي، الذي يعتمد في عدد كبير من الدول العربية على الاستثمارات الحكومية كأحد المحركات الرئيسة للنشاط الاقتصادي، حيث استنفذت هذه الإجراءات جزءً كبيراً من الحيز المالي المتاح للحكومة، فضلاً عن تأثر عدد من الدول العربية بتراجع تحويلات العاملين في الخارج، في ظل عمليات الإغلاق في اقتصادات الدول المستقبلة للعمالة.

كذلك تطلبت التحديات المترتبة عن الجائحة كما ذكرنا، تطبيق حزم مالية تحفيزية لدعم الأسر والمنشآت وهو ما كان له تأثير إيجابي في تخفيف التداعيات السالبة للجائحة، إلا أنه ترتب عنها ارتفاع في مستويات العجز المالي والدين العام.

بالنسبة لجهود الدول العربية في تطبيق الإصلاحات الهيكلية لمواجهة تداعيات الجائحة، تبين بصورة جلية أهمية إدارة المالية العامة كعنصر أساسي في عملية الاستجابة لاحتواء التحديات المترتبة عن الجائحة، في ظل الضغوط المالية التي ترتبت عن الجائحة من حيث ارتفاع المصروفات المتعلقة بالخدمات الصحية والاجتماعية وتراجع الإيرادات الضريبية بسبب الإعفاءات وتأجيل دفع الأقساط وغيرها من إجراءات تخفيف العبء الضريبي.

كيف تقيّمون أداء اقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في هذه المرحلة؟ هل برأيكم ستنجح في تنويع اقتصاداتها وفي الاستفادة من فوائض موازناتها لتنفيذ مشاريع تنموية؟

 

بالنسبة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعزز الأداء والتعافي الاقتصادي جراء سياسات التحفيز المالية والنقدية الداعمة للتعافي من الجائحة وجهود تطعيم السكان، والتي أدت إلى تحقيق دول المجلس كمجموعة نمواً بحوالي 3.1 في المئة في عام 2021. كما يٌتوقع أن يتواصل تعزيز مكتسبات النمو الاقتصادي وفق آخر التوقعات لصندوق النقد العربي بمعدل مرتفع نسبياً في عام 2022 قٌدر بنحو 6.3 في المئة. يرجع ذلك إلى الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، إضافةً إلى تعافي القطاعات غير النفطية، في ظل توقع استقرار معدل التضخم في دول المجموعة عند مستويات معتدلة بحدود 2.2 في المئة في عام 2022.

مع تعافي قطاع النفط، المحرك الرئيس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول نفطية عربية أخرى، بافتراض استمرار الأوضاع الاقتصادية العالمية سالفة الذكر، سيتواصل تنامي الموارد المالية مما يعزز الإيرادات الحكومية ويزيد من متانة الهوامش الوقائية (هوامش الأمان) (Fiscal Buffers) في المالية العامة، وإتاحة وتحرير مزيد من الموارد المالية للمشاريع الاستثمارية في ظل خطط التنمية والرؤى الاستراتيجية لهذه الدول. إنّ استمرار هذا الوضع سيوفر فرصة لهذه الدول لتنفيذ الاستراتيجيات والرؤى المستقبلية التي أطلقتها خلال السنوات الماضية الهادفة إلى زيادة التنويع الاقتصادي، أي تقليل مساهمة القطاع الهيدروكربوني في تركيبة الناتج المحلي الإجمالي، وفي صادراتها، لصالح القطاعات الأخرى، ودعم دور القطاع الخاص في ظل بيئة عمل واستثمار محفزة. في هذا الخصوص، حققت دول المجلس إنجازات كبيرة على مستوى البنية التحتية كجودة البنية التحتية والمواصلات والمنشآت السياحية والخدمات المصرفية المتقدمة والرقمنة والقوانين والتشريعات، حيث أضحت في وضع متقدم في سهولة ممارسة الأعمال إقليمياً وعالمياً. من شأن ذلك أن يساهم في جلب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات أخرى غير النفط، كالطاقات المتجددة ومشاريع الاقتصاد المعرفي، إضافة إلى جهود توطين الصناعات ورفع التنافسية والمشاريع السياحية الكبيرة، مما يدعم جهود التنويع الاقتصادي، وبذلك رفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي.

كما لابد أن أشيد بالجهود والإجراءات المتسارعة والعميقة نحو التحول الرقمي لدى دول مجلس التعاون، لتعظيم فرص الاستفادة من التقنيات الحديثة في تحسين الخدمات وخلق بيئة مؤاتية لجذب الاستثمارات. ويتصدر عدد من دول المجلس مؤشر التقنيات المالية الحديثة (FinxAR) الذي يصدره صندوق النقد العربي سنوياً لقياس مدى التقدم في صناعة التقنيات الحديثة وتطبيقاتها في الدول العربية.

هل برأيكم تتضرر المصارف العربية جراء ارتفاع معدلات الفائدة وفي ظل تراجع الاقراض؟

 

من غير المتوقع أن يكون هناك أثر جوهري لارتفاع أسعار الفائدة على أدوات السياسة النقدية، على قدرة القطاع المصرفي على الإقراض. إذ كشفت مؤشرات السلامة المالية للدول العربية أن مستويات كفاية رأس المال والسيولة مرتفعة في القطاع المصرفي العربي وأعلى من الحدود الدنيا المقرّة بموجب مقررات بازل (III)، حيث بلغ متوسط نسبة كفاية رأس المال للقطاع المصرفي في الدول العربية نحو 17.8 في المئة مع نهاية عام 2021، فيما وصلت نسبة الأصول السائلة إلى إجمالي الأصول لهذا القطاع نحو 32.7 في المئة في نهاية الفترة نفسها. كما بلغت نسبة تغطية مخصصات القروض إلى إجمالي القروض غير المنتظمة للمصارف العربية نحو 91.1 في المئة في نهاية عام 2021. تعكس هذه الأرقام الجيدة، الجهود التي قامت وتقوم بها المصارف المركزية العربية للتأكد من متانة وسلامة مؤشرات أداء القطاع المصرفي، وتطوير التشريعات والسياسات والإجراءات الاحترازية.

برأيكم ما أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول العربية بصورة عامة في المرحلة الراهنة؟

 

تواجه الدول العربية كغيرها من الدول الأخرى في هذه المرحلة، تحديات اقتصادية تستلزم بذل الكثير من الجهود والتحرك نحو تبني سياسات تساعد في دعم جهود تحقيق النمو الاقتصادي المنشود وبلوغ مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تحقق طموحات الشعوب.

ولعل من أهم هذه التحديات إلى جانب التوقعات بارتفاع معدلات التضخم كما أشرنا، يبرز ارتفاع معدلات البطالة في المنطقة العربية التي تسجل نحو 11.3 في المئة بما يمثل تقريباً ضعف المعدل العالمي وفق بيانات البنك الدولي. ويتمثل التحدي الأكبر في هذا السياق في تركز معدلات البطالة في فئة الشباب حيث ترتفع بطالة الشباب في المنطقة العربية لتسجل 33.0 في المئة مقابل 15.6 في المئة للمتوسط العالمي لبطالة الشباب.

من جانب آخر، فإن تحدي تزايد معدلات المديونية على وجه الخصوص يعتبر كذلك من بين أبرز التحديات التي تواجه اقتصاداتنا العربية في ظل الارتفاع الذي شهدته مستويات الدين العام في أعقاب الجائحة لتصل إلى نحو 756.2 مليار دولار بما يمثل نحو 107.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية المقترضة. يبرز هنا أهمية احتواء مسارات الدين العام وتعزيز تحركه في مستويات قابلة للاستدامة. يستلزم ذلك الأمر سعي حثيث من قبل وزارات المالية العربية على المواءمة الدقيقة ما بين اعتبارات استمرار دعم التعافي الاقتصادي، واعتبارات ضرورة استعادة التوازنات المالية والتحرك باتجاه مسارات أكثر استدامة للدين العام.

علاوة على ما سبق، تظهر الحاجة الملحة إلى تعزيز قدرة الاقتصادات العربية على زيادة مستويات المرونة الاقتصادية لمواجهة أي تحديات اقتصادية محتملة. ولعل مواصلة الدول العربية للإصلاحات الهيكلية والمؤسسية ضرورة ملحة تمليها المستجدات الاقتصادية الراهنة بشكل أكثر من أي وقت مضى.

كما تلعب الإصلاحات المؤسسية دوراً مهماً في المرحلة الراهنة بهدف تطوير بيئات الأعمال العربية لتمكين القطاع الخاص كي يكون قاطرةً أساسيةً للنمو والتشغيل.

من جانب آخر، تبدو أهمية توجه الحكومات العربية نحو الإسراع بجهود التحول الرقمي والتحول نحو اقتصاد المعرفة. وتشير الدروس المستفادة من الجائحة إلى أن الدول التي تمكنت من التعافي السريع من تداعيات الأزمة، ومن التعامل مع تداعياتها بفعالية وكفاءة تمثلت في الدول العربية ذات المستويات الأعلى من الجاهزية الرقمية. ولعل نظرة إلى مساهمة نصيب قطاعات اقتصاد المعرفة في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية والتي تتراوح ما بين 4 إلى 12 في المئة توضح انخفاض هذه النسبة مقارنة بالمستوى المثيل المسجل في العديد من الدول السباقة في هذا المجال، ومن بينها الصين حيث تقدر هذه النسبة بنحو 36 في المئة.

يضاف إلى ذلك أهمية تكثيف الجهود وتطوير السياسات والبرامج لمواجهة تداعيات تغيرات المناخ والانتقال نحو الاقتصاد والتمويل الأخضر والمستدام، بما يتناسب وواقع واحتياجات دولنا العربية.

ولا يقل أهمية عما سبق ضرورة متابعة الجهود الرامية إلى تطوير القطاع المالي في الدول العربية لدعم فرص الوصول للتمويل والخدمات المالية، وتطوير أسواق المال المحلية، وتعزيز الاندماج المالي الإقليمي.